تحقيق - نور عبد القادر:
لم نكن نتخيل ونحن نجوب أرجاء ميدان التحرير الذي شهد مولد الثورة التي نادت بالحرية والعدالة الاجتماعية، أن تتعثر أقدامنا بما يناقض مطالب ثورة يناير، فعلى بعد أمتار قليلة من مسجد ''عمر مكرم ''.. كانت تجلس فتاة لا يتعدى عمرها 25 عاما، تبدو كأنها صبي، ترتدى الجينز والكاب لتخفى ملامحها الأنثوية وتتحدث كالرجال بصوت خشن، وعلامات على وجهها ناتجة عن إصابات بأسلحة بيضاء.
تتخذ الفتاة من أحد أركان الحديقة مسكنا لها؛ حيث نصبت خيمة صغيرة لا تتعدى مساحتها الخمسة أمتار بجوار بعض البائعين بالميدان، ولا يوجد بها سوى على حصيرة للنوم وغطاء تتدثر به.
''لا أب ولا أم''
''مريم''.. نموذج لفتيات الشوارع اللائي لم يجدن سوى الأرصفة والطرقات بديلا عن أسرهن، وحتى تعيش بالشارع عليها أن تتقبل قوانينه وأولها أن تكون فريسة سهلة للرجال وبالأخص ''كبير'' المنطقة.
أفصحت لنا عن اسمها الأول ولم تبوح بالباقي؛ فهي كما قالت لا تعرف لها أبا أو أما. تركت الأحداث في الثالثة عشر من عمرها ليلتقطها الشارع. تقول ''البداية كانت في منطقة السيدة زينب؛ عشت مع مجموعة من الفتيات والشباب في الحديقة المقابلة للمسجد، وعملت وقتها بائعة جائلة بالميدان''.
تحكي مريم عن أيامها الأولى في الشارع فتقول ''هربت من المؤسسة بعد ضرب مبرح تعرضت له؛ لوم يكن الشارع افضل حالا من المؤسسة؛ حيث تعرضت للاغتصاب لأول مرة تحت تهديد السلاح من ''قبضايا'' المنطقة.. ولو رفضت فالموت سيكون نصيبي أو على الأقل عاهة مستديمة''.
وأضافت أنه ''من الطبيعي أن يغتصبني حتى يضمن ولائي له.. بعدها أعطاني ''فرشة'' شاي للعمل عليها بالميدان، وأستمر الحال لدرجة أنني أعتدت الاغتصاب من قبل الشباب الذين كانوا ينامون معنا بالحديقة، وضربات المطواة أو الموس على وجهي نتيجة المقاومة''.
جلسنا على مقربة من فرشتها بالميدان لتحكي لنا تفاصيل حياتها، فقد تم اغتصابها عشرات المرات لدرجة إنها لا تتذكر العدد الفعلي لتلك الوقائع وألقي القبض عليها كثيرا، وهي لا تحمل بطاقة هوية خشية أن يتم تلفيق تهمة لها، هكذا بررت.
''كأنها رجل''
تتعامل ''مريم'' كأنها رجل وتنسى فكرة أنها ''فتاة''؛ فبخلاف ملابسها، تصرفاتها تدل على ذلك وتعاملها مع رواد الميدان والبائعين يؤكده.
وتكمل ''فكرت في الهروب من حياة الشوارع وتزوجت من أحد الشباب الذين أعرفهم وانتقلت للإقامة معه وأنجبت بنتين، ولكني علمت أنه تاجر ''حشيش'' فتركته ومعه بناتي وحتى الآن يرفض أن يطلقني، ولا أريد أن أعود له فقد أعتدت المبيت بالشارع''.
بالنسبة لطبيعة عملها تقول مريم ''لدي فرشة شاي بميدان التحرير وأقوم نهارا بالعمل عليها وقد أصبت بطلق ناري خلال لثورة ولكنهم رفضوا إعطائي تعويض وظنوا أنني من البلطجية أو المستأجرين، أما ليلا؛ فأعمل كوسيط لجلب الفتيات لطلاب الهوى والمزاج بمقابل مادي يتراوح من 50 إلى 100 جنيهاً مقابل اختيار إحدى الفتيات اللاتي أعرفهن، ومن الممكن أن يصطحب الشباب الفتاة لشقة سكنية او إلى مركب نيلي وفى كلتا الحالتين أجرة الفتاة تتراوح من 200 إلى 300 جنية حسب درجة جمالها، ولدى معرفة بنحو 20 فتاة يعملن في هذا الكار''.
أثناء الحديث جاء أحد أصدقائها ويدعى محمد، ومعه شريط مخدر وزجاجة بيرة، فوضعتهما في الخيمة وقالت ''دول لزوم المزاج، شريط البرشام يصل سعره 20 جنيها.. وهناك متعهد يحضره لها يوميا..''.
تتعاطى ''مريم'' كافة أنواع المخدرات على رأسها الحشيش والبانجو، كما أنها تحمل سلاحا أبيضا، ''حتى لا يتحرش أو يغتصبني أحد كما حدث من قبل''، تقول ''مريم''.
مراكز استقبال
وتشير إلى أن هناك مراكز استقبال لفتيات الشوارع والمغتصبات في السيدة زينب، وتضيف أنها تلتقي بأصدقائها وتنظف ملابسها ثم اعود للشارع مرة أخرى؛ فلا مأوى لها غيره، كما أنها لن تستطيع أن تحصل على مهنة توفر لها 600 جنيه يوميا، حسب قولها.
وكشفت مريم عن أن لديها خريطة بأماكن تجمع الفتيات سواء بالقرب من مسجد السيدة زينب أو بالقرب من قسم العجوزة أو بصينية مجمع التحرير أو بالقرب من المراكب النيلية على الكورنيش، وتشيف أنه من الصعب البوح باسم ''كبير '' المنطقة لأن في ذلك أذي لهم.
وأشارت إلى أنه يتم استخدامهن في المظاهرات و الخناقات والانتخابات مقابل 100 جنيه يوميا، مؤكدة أنهن ''لا يستطعن الرفض وإلا أصبحن بلا مأوى.. ولهذا فموسم عملهم خلال المظاهرات''.
قانون الغاب
وتتحدث صديقتها ''مروة''، قائلة: ''الحياة في الشارع والأرصفة والطرقات بلا أخلاق ولا مبادئ ولا دين ولا قانون ويحكمها القوة فقط ''قانون الغاب''، وقد هربت من أسرتي بإرادتي الكاملة، بعدما طلق أبي أمي وتزوج سيدة أخرى وأنجب منها أثنين لنصبح عائلة من ثماني أفراد نقيم بشقة سكنية مساحتها لا تتعدى 60 مترا''.
''بالطبع أجبرني أبي على ترك التعليم والعمل بالمنازل بصحبة زوجته، لم يكن لي نصيب سوى العمل والمهانة بمنازل الغير وبمنزل أبي، ولهذا قررت الهرب وشجعني معرفتي ببعض فتيات الشوارع''.
وتقول مريم إنها تنام تحت الكباري وفي الحدائق العامة وتعمل راقصة في المراكب النيلية، وهي تفضل ذلك عن العودة لمنزلها مرة أخرى والتعرض للضرب والتعذيب، حسب قولها.
راقصة بالمراكب
ونظرا لما تتمتع به ''مروة'' من قدر من الجمال فهي تمتهن الرقص في المراكب النيلية حتى الساعات الأولى من الصباح، وتصل أجرتها بـ150 جنيه في الليلة.
وعن دور المؤسسات الاجتماعية تقول مروة ''سعت المرشدات الاجتماعيات بمركز الاستقبال لإقناعنا بالعدول والبعد عن تلك المهنة وتوفير مهن بديله لها، ولكننا لا نستطيع، خاصة وان الملاحقات الأمنية اختفت بعد الثورة وأصبح هناك مساحة كبيرة من الحرية لنا''.
وقد تزوجت ''مروة '' ثلاث مرات بعقود عرفية، كما قالت، وتعرضت للاغتصاب مرارا، وعملت بالدعارة لفترة قبل الثورة، ولكنها الآن تفضل العمل كراقصة فقط.
تأهيل المغتصبات
ورغم استعراض نموذج الفتيات المغتصبات اللاتي أستسلمنا لحياة الشارع، إلا أن هناك من رفض الرضوخ لتلك الحياة ووجد طرقيه عن طريق مراكز تأهيل الأمهات والفتيات المغتصبات، وتتحدث هند محمد، مدير مركز التأهيل بمركز ''بناتي'' لاستقبال الفتيات والامهات المغتصبات قائلة ''المركز يتولى تقديم الخدمات والتواصل والاستشارات النفسية لمن فوق الخمسة عشر عاما، وهناك مركز للإقامة بحي أكتوبر، يوفر الإقامة للفتاة المغتصبة ورعاية لو هناك حمل وتوفير التأهيل النفسي ومركز لتعلم الحرف اليدوية وتوفير مهنة لها وخدمات محو الامية، ومحاولة محو كافة الانتهاكات التي تعرضن لها من استغلال جنسي وبدني سواء بالمنزل او بالشارع ومحاولة التواصل مع الاهل إذا امكن ذلك''.
وأكدت مديرة المركز أن الانتهاكات ربما تكون من قبل الشرطة عندما تتولى القبض عليهم أو من المنزل أو من المؤسسات التابعة للدولة أو من الشارع''.
وأشارت إلى أن ''هناك من يستجيب للتأهيل ويبدأ حياة جديدة وهناك من لا يريد ولا يتجاوب، وهناك من حملت بطريقة غير شرعية تم توفير شهادات ميلاد لأبنائهن ومهنة لهن وبدأن حياة جديدة، وهناك من ترفض وتهرب وتترك ابنها بالمؤسسات وتعود للشارع، و لهذا أصبحنا نركز اهتمامنا على الفتيات المعرضة للخطر حتى لا يتحولن لفتيات شوارع مغتصبات''.
وأوضحت أن المركز على دراية بأغلب فتيات الشوارع والمغتصبات، ''فهن بناتها''، حسب قولها.
وذكرت مديرة مركز التأهيل أسماء بنات وفتيات كانت في المركز قبل ان تتكره مثل ''أسماء'' و''هدى'' و''مريم'' بميدان السيدة زينب، و''داليا '' و''رباب'' و''رحاب'' و''نجلاء'' بالتحرير والكورنيش حيث العمل بالمراكب النيلية.
ورغم أن أعمارهن قد تعدت الخامسة عشر، إلا أن مراكز الاستقبال التابعة للجمعية – كما تقول هند محمد - مازالت تقدم لهن خدمة الاستضافة والخدمات النفسية، وعندما تتعرض أحدهن للاغتصاب يكون من الممكن استضافتها وعمل جلسات علاج فردية وربما جلسات علاج واستماع جماعي.
''على المجتمع ألا يتعامل معهن على أنهن ساقطات، فهن ضحايا للفقر والجهل للأسر المصرية، وقد واجهنا انتقادات عديدة في بداية العمل في هذا المجال منذ عشرون عاما واتهمونا بالزيف وتهويل القضية، والآن الأعداد في ازدياد مع تفاقم مشكلة الفقر والعشوائيات وغياب الأمن وانتشار البلطجة وعدم الاهتمام بقضايا المرأة والطفل''.
إعادة الهيكلة
وطرح هاني هلال، الناشط الحقوقي، رؤيته لتلك الظاهرة، مشيرا إلى أن هناك نوعين لفتيات الشوارع واللاتي يتعرضن للانتهاكات والاغتصابات، فهناك تحت سن 18 وهن تابعات لمراكز تأهيل المغتصبات ك ''قرية الأمل'' و''بناتي''.
أما من فوق ال 18 عاما فيتبعن فئه مراكز مناهضة العنف ضد المرأة وربما توافق بعض مراكز الفتيات على استضافتهن لفترة لحين توفير فرصة عمل لهن ومكان للإقامة أو مساعدتهن على الزواج وبناء أسرة، حسبما ذكر الناشط الحقوقي.
وأوضح أن هناك جمعيات ومراكز تابعة للوزارة ولكنها خاوية ويهرب منها الفتيات، لهذا طالبنا بإعادة هيكلة تلك المؤسسات وتدريب الكوادر البشرية بها على عدم ممارسة العنف ضد الفتيات وخلق مكان جاذب للفتيات، خاصة وان تلك الفتيات تعرضن للعنف من قبل مملكة الشارع التي يحكمها ''كبير'' المنطقة وله قوانينه وأولها أن ترضخ الفتاة له ويغتصبها غصبا عنها، وللأسف تتعرض الفتيات لانتهاكات داخل المؤسسات ربما تصل للانتهاك الجسدي واستغلالهن في أمور غير قانونية''.
وأوضح هاني هلال أنه لا يوجد حصر لفتيات الشوارع او المغتصبات لعدم موجود تعريف دقيق لهم ، وأن الدولة أفادت بحصر مبدئي لأطفال الشوارع لا يتعدى 10 آلاف رغم أن العدد الفعلي يتعدى ال3 مليون ، كما قال.
وطالب الناشط الحقوقي بضرورة وجود رقابة على المؤسسات التابعة للدولة والتي يصل عددها إلى 50 دار، ووضع إجراءات حماية للفتيات ومنع الانتهاكات من قبل القائمين على الدار، وكذلك الانتهاكات التي تتم من قبل الشرطة، والعمل على توعية المجتمع من التعامل معهن على أنهن ساقطات وعاهرات، وبالأخص بالآونة الأخيرة.
وأشار إلى أن هناك تخوف من زيادة أعدادهن بعد تناقص اهتمام الدولة بهن والخوف من تشريعات التي تقنن اوضاع أبنائهن.
أما دكتور مصطفى عبدالباقي، مدير إدارة التكافل الاجتماعي بوزارة الشئون الاجتماعية، فقد أكد أن لدى الوزارة ثلاثة مراكز على مستوى محافظة القاهرة لاستقبال أمهات الشوارع ويتم استضافتهن وتوفير الرعاية لهن حتى الولادة وبعدها واستخراج شهادات ميلاد لأبنائهن وتوفير تأهيل نفسي ومراكز لتعليم الحرف، وبعدها يتم عمل دفتر توفير من أجل مساعدتهن بعد الخروج.
وأشار ''هناك خط ساخن يتم تلقى الاستغاثات من خلاله وهو تحت إشراف المجلس القومي للأمومة والطفولة، ويتم تلقي الحالات أما عن طريق الشرطة أو الجمعيات الأهلية أو يشكل فردي ويتم استضافة الفتاة حتى سن 18 عاما وبعدها ربما تسلم للأهالي أو يتم مساعدتهن نفقات الزواج أو مشروع للعمل.
مصدر: موقع مصراوي
زوروا موقعنا الجديد لكل الفيديوهات - رياضية سياسية دينية وثائقة
رجــاء اترك تعليقا عن رايك فيما قرأت او شاهدت
|
|
Follow @22xc |



